الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
65
تفسير روح البيان
وادراك البغية وذلك ضربان دنيوي واخروى . فالدنيوى الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا : والأخروي أربعة أشياء . بقاء بلا فناء . وغنى بلا فقر . وعز بلا ذل . وعلم بلا جهل ولذلك قيل لا عيش الا عيش الآخرة ألا ترى إلى قوله عليه السلام ( المؤمن لا يخلو عن قلة أو علة أو ذلة ) يعنى ما دام في الدنيا فإنها دار البلايا المصائب والأوجاع ودل قوله تعالى ( لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ) على أن الإنسان عند أرذل العمر يعود إلى حال الطفولية من الجهل والنسيان اى إذا كان علمه حصوليا اما إذا كان حضوريا كالعلوم الوهبية لخواص المؤمنين فإنه لا يغيب ولا يزول عن قلبه ابدا لا في الدنيا ولا في برزخه ولا في آخرته فان ذلك العلم الشريف الوهبي اللدني ليس بيد العقل الجزئي الذي من شأنه عروض النسيان له عند ضعف حال الشيخوخة ولذا لا يطرأ عليهم العته بالكبر بخلاف عوام المؤمنين والعلماء غالبا فعلى العاقل ان يجتهد حتى يدخل في زمرة أهل الفلاح وذلك بتزكية النفس في الدنيا والترقي إلى مقامات المقربين في العقبى وهي المقامات الواقعة في جنات عدن والفردوس فالعاليات انما هي لأهل الهمة العالية نسأ اللّه تعالى ان يلحقنا بالابرار وَمِنَ النَّاسِ اى وبعض الناس فهذا مبتدأ خبره قوله مَنْ يَشْتَرِي الاشتراء دفع الثمن وأخذ المثمن والبيع دفع المثمن وأخذ الثمن وقد يتجوز بالشراء والاشتراء في كل ما يحصل به شئ فالمعنى هاهنا يستبدل ويختار لَهْوَ الْحَدِيثِ وهو ما يلهى عما يعنى من المهمات كالأحاديث التي لا أصل لها . والأساطير التي لا اعتداد بها والأضاحيك وسائر ما لا خير فيه من الكلام . والحديث يستعمل في قليل الكلام وكثيره لأنه يحدث شيأ فشيأ قال أبو عثمان رحمه اللّه كل كلام سوى كتاب اللّه أو سنة رسوله أو سيرة الصالحين فهو لهو وفي عرائس البيان الإشارة فيه إلى طلب علوم الفلسفة من علم الإكسير والسحر والنير نجات وأباطيل الزنادقة وترهاتهم لأن هذه كلها سبب ضلالة الخلق وفي التأويلات النجمية ما يشغل عن اللّه ذكره ويحجب عن اللّه سماعه فهو لهو الحديث . والإضافة بمعنى من التبيينية ان أريد بالحديث المنكر لان اللهو يكون من الحديث ومن غيره فأضيف العام إلى الخاص للبيان كأنه قيل من يشترى اللهو الذي هو الحديث وبمعنى من التبعيضية ان أريد به الأعم من ذلك كأنه قيل من يشترى بعض الحديث الذي هو اللهو منه . وأكثر أهل التفسير على أن الآية نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة [ مردى كافردل وكافركيش بود سخت خصومت با رسول خدا كرد ] قتله رسول اللّه صبرا حين فرغ من وقعة بدر - روى - انه ذهب إلى فارس تاجرا فاشترى كليلة ودمنة واخبار رستم وإسفنديار وأحاديث الأكاسرة فجعل يحدث بها قريشا في أنديتهم ولعلها كانت مترجمة بالعربية ويقول إن محمدا يحدثكم بعاد وثمود وانا أحدثكم بحديث رستم وإسفنديار فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن فيكون الاشتراء على حقيقته بان يشترى بماله كتبا فيها لهو الحديث وباطل الكلام لِيُضِلَّ الناس ويصرفهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اى دينه الحق الموصل اليه أو ليضلهم ويمنعهم بتلك الكتب المزخرفة عن قراءة كتابه الهادي اليه وإذا أضل غيره فقد ضل هو أيضا بِغَيْرِ عِلْمٍ اى حال كونه جاهلا بحال ما يشتريه ويختاره أو بالتجارة حيث استبدل اللهو بقراءة القرآن